الصالحي الشامي

57

سبل الهدى والرشاد

قال ابن عباس : لما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها . رواه الإمام أحمد والبيهقي ( 1 ) . فنحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدنه حيث حبسوه وهي الحديبية ، وشرد جمل أبي جهل من الهدي وهو يرعى وقد قلد واشعر . وكان نجيبا مهريا في رأسه برة من فضة ، أهداه ليغيظ بذلك المشركين ، فمر من الحديبية حتى انتهى إلى دار أبي جهل بمكة ، وخرج في اثره عمرو بن عنمة بن عدي الأنصاري ، فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى امرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه ، قيل : ودفعوا فيه عدة نياق ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لولا أن سميناه في الهدي فعلنا " ، ونحره عن سبعة ، ونحر طلحة بن عبيد الله ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعثمان بن عفان ، بدنات ساقوها . وروى ابن سعد عن أبي سفيان عن جابر قال : نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين بدنة عام الحديبية ، البدنة عن سبعة ، وكنا يومئذ ألفا وأربعمائة ، ومن لم يضح أكثر ممن ضحى ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطربا في الحل وانما يصلي في الحرم . وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هديه بعشرين بدنة لتنحر عنه عند " المروة " مع رجل من أسلم ، فلما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء ودعا بخراش - بمعجمتين - بن أمية بن الفضل الكعبي ، فحلق رأسه ورمى شعره على شجرة كانت إلى جنبه من سمرة خضراء ، فجعل الناس يأخذون الشعر من فوق الشجرة فيتحاصونه ، وأخذت أم عمارة طاقات من شعره فكانت تغسلها للمريض وتسقيه فيبرأ ، وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما . وحلق بعض المسلمين وقصر بغض ، فأخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه من قبته وهو يقول : رحم الله المحلقين ، قيل : يا رسول الله والمقصرين قال : " رحم الله المحلقين ثلاثا " . ثم قال و " المقصرين " ( 2 ) . وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس انهم قالوا : يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت عليهم الترحيم ؟ قال : لأنهم لم يشكوا ( 3 ) . ورواه البيهقي موقوفا . وبعث الله تعالى ريحا عاصفة فاحتملت اشعارهم فألقتها في الحرم كما رواه ابن سعد عن مجمع بن يعقوب عن أبيه ، وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بالحديبية تسعة عشر يوما ، ويقال عشرين ليلة ، ذكره محمد بن عمر ، وابن سعد . قال ابن عائذ : وأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوته هذه شهرا ونصفا .

--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 152 . ( 2 ) أخرجه الحاكم 4 / 230 والبيهقي 5 / 236 والدعاء للمحلفين متفق عليه من حديث ابن عمر البخاري 3 / 561 ( 1727 ) ومسلم 2 / 945 ( 317 / 1301 ) . ( 3 ) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 151 .